أول واجب على المكلف

9- فَكُلُّ مَنْ كُلِّفَ شَرْعاً وَجَبَا *** عَلَيْه أَنْ يَعْرِفَ مَا قَدْ وَجبَا

فكل من كلف شرعاً: أي وجوب معرفة الله تعالى إنما هو بلسان الشرع، وليس بلسان العقل كما ذهب المعتزلة. فكل فرد من المكلفين من الإنس والجن يجب عليه أن يعرف ما يجب لله تعالى وما يجوز وما يستحيل، وكذلك للرسل عليهم الصلاة والسلام، ذكراً كان المكلف أو أنثى ولو عامياً أو من العبيد أو النساء، أو الخدم، حتى يأجوج ومأجوج، دون الملائكة - على القول بتكليفهم- لأن الخلاف في تكليفهم إنما هو في غير معرفة الله تعالى أما هي فجبلية لهم، فليس فيهم من يجهل صفاته سبحانه كما في الجن، قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ}.
- والتكليف إما إلزام ما فيه كلفه، وهو الراجح، فيقتصر على الوجوب والحرمة، أو هو طلب ما فيه كلفة، فيشمل الندب والكراهة مع الوجوب والحزمة.
- وشروط التكليف، البلوغ، والعقل، وبلوغ الدعوة، وسلامة الحواس، هذا في الإنس، أما الجن فهم مكلفون من أصل الخلقة، فلا يتوقف تكليفهم على البلوغ.
- والصبي ليس بمكلف، فمن مات قبل البلوغ فهو ناج، ولو من أولاد الكفار، ولا يعاقب على كفر غيره، خلافاً للحنفية حيث قالوا بتكليف الصبي العاقل بالإيمان لوجود العقل وهو كاف عندهم، فإن اعتقد الإيمان أو الكفر فأمره ظاهر، وإن لم يعتقد واحداً منهما كان من أهل النار لوجوب الإيمان عليه بمجرد العقل.
- والمجنون ليس بمكلف، لكن محل ذلك إن بلغ مجنوناً واستمر على ذلك حتى مات، بخلاف ما لو بلغ عاقلاً ثم جن وكان غير مؤمن، ومات كذلك. فهو غير ناج.
- والذي لم تبلغه الدعوة ليس بمكلف، وذلك بأن نشأ في شاهق جبل، على الأصح خلافاً لمن قال (بأنه مكلف) لوجود العقل الكافي لوجوب المعرفة عندهم، وإن لم تبلغه الدعوة * وعلى اشتراط بلوغ الدعوة فهل يكفي بلوغ دعوة أي نبي - لو سيدنا آدم؟ لأن التوحيد ليس أمراً خاصاً بهذه الأمة - أو لا بد من بلوغ دعوة الرسول الذي أرسل إليه؟ والتحقيق كما نقله العلامة الملوي عن الأبي في شرح مسلم خلافاً للنووي "أنه لا بد من دعوة الرسول الذي أرسل إليه".
- فالمذهب الحق أن أهل الفترة (وهم من كان في أزمنة الرسل، أو في زمن الرسول الذي لم يرسل إليهم) ناجون، وإن بدلوا وغيروا أو عبدوا الأصنام.
- فإن قيل "كيف هذا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن جماعة من أهل الفترة في النار، كامرئ القيس وحاتم الطائي، وبعض آباء الصحابة؟ فإن بعض الصحابة سأله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقال: "أيْنَ أبيْ؟ فقال: في النَّارِ" أجيب: بأن أحاديثهم أحاديث آحاد، وهي لا تعارض القطعية، وهو قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} وبأنه يجوز أن يكون تعذيب من صح تعذيبه منهم لأمر يختص به، يعلمه الله تعالى ورسوله.
- وغير سليم الحواس ليس بمكلف، ولهذا قال بعض أئمة الشافعية: "لو خلق الله إنساناً أعمى أصم لسقط عنه وجوب النظر والتكليف"، وهو صحيح كما في شرح المصنف.
- فائدة: إذا علمت أن أهل الفترة ناجون على الراجح علمت أن أبويه صلى الله عليه وسلم ناجيان لكونهما من أهل الفترة، بل جميع آبائه صلى الله عليه وسلم وأمهاته ناجون ومحكوم بإيمانهم، لم يدخلهم كفر، ولا رجس ولا عيب، ولا شيء مما كان عليه الجاهلية، بأدلة نقلية كقوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "لم أزل أنتقل من الأصلاب الطاهرات إلى الأرحام الزاكيات".
وغير ذلك من الأحاديث البالغة مبلغ التواتر، وأما ما نقل عن أبي حنيفة في الفقه الأكبر من أن والدي المصطفى ماتا على الكفر فمدسوس عليه، وحاشاه أن يقول ذلك. وغلط ملا علي القاري - غفر الله له- في كلمة شنيعة قالها. فالحق الذي نلقى الله عليه أن أبويه صلى الله عليه وسلم ناجيان. على أنه قيل: إن الله تعالى أحياهما حتى آمنا به ثم أماتهما لحديث ورد في ذلك، وهو ما روي عن عروة عن عائشة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يحيي له أبويه فأحياهما، فآمنا به، ثم أماتهما) قال السهيلي: والله قادر على كل شيء، وله أن يخص نبيه بما شاء من فضله، وينعم عليه بما شاء من كرامته. وقد أنشد بعضهم فقال:
فأحيا أُمَّهُ وَكَذَا أَبَاهُ *** لإيمانٍ بِهِ فَضْلاً مُنيفاً
فَسَلِّمْ فالقديمُ بذا قديرٌ *** وإن كان الحديثُ به ضَعيفاً
- شرعاً، وجب عليه أن يعرف: المقصّود أن المعرفة وجبت بالشرع، لا بالعقل، وهذا مذهب الأشاعرة وجمع من غيرهم، فمعرفة الله وجبت عندهم بالشرع، وكذلك سائر الأحكام إذ لا حكم قبل الشرع لا أصلياً ولا فرعياً.‏
ــــــــــــ
10- لِلهِ والجائِزَ والمُمتنِعَا *** ومَثلِ ذا لِرُسْلهِ فاستمِعا

وذهبت المعتزلة إلى أن الأحكام كلها ثبتت بالعقل، ولذلك قال في جمع الجوامع: وحكمت المعتزلة العقل، وإن لم يرد الشرع. ويقولون: إن الشرع جاء مقوياً ومؤكداً للعقل، فلا ينفون الشرع أصلاً، وإلا كفروا قطعاً ويبنون كلامهم على التحسين والتقبيح العقليين، فالحسن عندهم ما حسنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل، فإذا أدرك أن هذا الفعل حسن بحيث يذم على تركه ويمدح على فعله حكم بوجوبه، وهكذا. وأما عند أهل السنة فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع.
- ومذهب الماتريدية أن وجوب المعرفة بالعقل، بمعنى أنه لو لم يرد به الشرع لأدركه العقل استقلالاً لوضوحه لا بناء على التحسين العقلي كما قالت المعتزلة.
- والحق أن العقل لا يستقل بشيء أصلا ً. فتلخص أن المذاهب ثلاثة أولاً: مذهب الأشاعرة "وهو أن الأحكام كلها ثبتت بالشرع، لكن بشرط العقل" ثانياً: مذهب الماتريدية "وهو أن وجوب المعرفة ثبت بالعقل دون سائر الأحكام" ثالثاً: مذهب المعتزلة "وهو أن الأحكام كلها ثبتت بالعقل".
- والمعرفة والعلم مترادفان على معنى واحد على التحقيق، وهذا المعنى الواحد "هو الجزم القاطع المطابق للواقع عن دليل ولو جملياً * فالظن والشك والوهم ليسوا بمعرفة وكذلك الجزم غير المطابق للواقع كجزم النصارى بالتثليث، وكذلك التقليد * فيتحصل أن الظان والشاك والمتوهم والجازم جزماً غير مطابق للواقع كل منهم كافر اتفاقاً، وأما المتصف بالتقليد فسيأتي ذكر الخلاف فيه.
- ما قد وجبا لله: أي يجب على المكلف وجوباً شرعياً أن يعرف جميع ما وجب لله، لكن ما قامت الأدلة العقلية أو النقلية عليه تفصيلاً، - وهو العشرون صفة الآتية - يجب على المكلف أن يعرفه تفصيلاً وما قامت عليه الأدلة إجمالاً وهو سائر الكمالات، يجب على المكلف أن يعرفه إجمالاً، وكذا يقال في المستحيل * ودليل ما يجب لله عقلي غالباً، لأن الصفات على ثلاثة أقسام، الأول: ما لا يصح الاستدلال عليه إلا بالدليل العقلي، وهو ما توقفت عليه المعجزة من الصفات، كوجوده تعالى وقدمه وبقائه وقيامه بنفسه ومخالفته للحوادث وقدرته وإرادته وعلمه وحياته "بمعنى أن المعجزة - وهي الأكوان - لا توجد إلا ممن اتصف بتلك الصفات" والثاني: ما لا يصح الاستدلال عليه إلا بالدليل السمعي، وهو كل ما لا تتوقف المعجزة عليه من الصفات، كالسمع والبصر والكلام. والثالث: اختلف فيهن وهو الوحدانية، والأصح أن دليلها عقلي.
- وأعلم أن الأحكام المطلقة: إما شرعية أو عقلية أو عادية. والحكم الشرعي: هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب أو الإباحة أو الوضع لهما. والطلب أربعة أقسام: طلب فعل أو طلب ترك، وكل منهما إما جازم أو غير جازم. والوضع: هو جعل الشيء شرطاً (كالطهارة للصلاة) أو سبباً (كدخول الوقت) أو مانعاً (كالحيض) أو صحيحاً (ككونه موافقاً للشرع باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع) أو فاسداً (ككونه غير موافق للشرع)
- وأما الحكم العادي فهو: إثبات الربط بين أمر وأمر وجوداً أو عدماً بواسطة تكرر القران بينهما على الحس وعدم تأثير أحدهما في الآخر البته. مثال ذلك: الحكم على النار بأنها محرقة، فهذا حكم عادي، إذ معناه أن الإحراق يقترن بمس النار في كثير من الأجسام لمشاهدة تكرر ذلك على الحس. وليس معنى هذا الحكم أن النار هي التي أثرت في الإحراق، أو في تسخين ما مسته - مثلاً - إذ هذا المعنى لا دلالة للعادة عليه أصلاً، وإنما غاية ما دلت عليه العادة الاقتران فقط بين الأمرين. أما تعيين فاعل ذلك فليس للعادة فيه مدخل، ولا منها يتلقى علم ذلك. وقس على هذا سائر الأحكام العادية ككون الطعام مشبعاً، والشمس مضيئة، والسكين قاطعة، ونحو ذلك مما لا ينحصر. وإنما يتلقى العلم بفاعل هذه الآثار المقارنة لهذه الأشياء من دليلي العقل والنقل * وقد أطبق العقل والشرع على انفراد المولى جل وعز باختراع جميع الكائنات عموماً فأهل السنة يقولون: ثبوت الإحراق للنار من حيث إنها سبب عادي يخلق الله عنده الإحراق. وغيرهم يقولون: ثبوت الإحراق للنار من حيث إنها مؤثرة بقوة مودعة فيها.
- والحق أن قدرة الله تعالى عامة التعلق بجميع الممكنات إيجاداً وإعداماً وإمداداً، فقصرها على بعضها دون الآخر مع استوائها في الافتقار، لا برهان عليه إلا إتباع الهوى وظلمة الحجاب وقد قال الله تعالى: {كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ}. وقال أيضاً: {وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً، لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً} وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ} وقال: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}. وقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم بك أصول وبك أجول". وقال: "لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة".
وقد قال سيدنا العارف بن عطاء الله مستمداً من أنوار ما تقدم: "نعمتان ما خرج عنهما موجود نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد" وإنما سمي الحكم العادي عادياً لأن العادة هي المرتكز في إطلاقه. والتكرار يتحقق بمرتين، كما إذا قيل: لحم الضأن يذكي الفهم، وتكرر هذا مرتين، فإنه حكم عادي * أما إن حكم به العقل فإنه يدعى حكماً عقلياً، وهو: إثبات أمر لأمر (كإثبات القدم لله تعالى) أو نفيه عنه (كنفي القدم عن الخلق) من غير توقف على تكرار أو وضع واضع.
- وينقسم الحكم العقلي إلى ثلاثة أقسام: واجب، وجائز، ومستحيل أي إن كل ما حكم به العقل من إثبات أو نفي لا يخرج عن اتصافه واحد من هذه الثلاثة.
- فالواجب: هو كل أمر - من ذات أو صفة أو نسبة - ثابت لا يقبل الانتفاء في ذاته، وهو قسمان ضروري، كالتحيز للجرم، فإنه ما دام الجرم موجوداً يجب أن يأخذ قسطاً من الفراغ، فهو واجب مقيد بدوام الجرم، ونظري كصفاته تعالى.
- والمستحيل: هو كل أمر - من ذات أو صفة أو نسبة - لا يقبل الثبوت في ذاته. وهو قسمان: ضروري كخلو الجرم عن الحركة والسكون معاً، ونظري كالشريك له تعالى.
- والجائز: هو كل أمر قابل في حد ذاته للانتفاء والثبوت، وهما قسمان: ضروري كحركة الجرم أو سكونه، ونظري كتعذيب المطيع - ولو معصوماً - لكن لا ينبغي التشدق به في حق الأنبياء بل بقدر ضرورة التعليم، وكإثابة العاصي - ولو كافراً - لأن الكلام في الإمكان العقلي، فلا ينافي أن ذلك ممتنع شرعاً.
- الضروري هو البديهي، وهو ما يدركه العقل بلا تأمل (كاستحالة صنعة بلا صانع). والنظري هو ما يدركه العقل بعد التأمل (كحدوث الكون).
- ملاحظة: ينبغي الاعتناء بهذه الأحكام: لأن إمام الحرمين قال: إن معرفتها هي العقل، بناء على أن العلم بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، أي تصور مفهوماتها، بأن يتصور أن الواجب ما لا يقبل العدم، والمستحيل ما لا يقبل الوجود، والجائز ما يصح وجوده وعدمه.
- ومثل ذا لرسله: أشار المصنف بلفظ (مثل) إلى أن الواجب والجائز والمستحيل في حقهم - عليهم الصلاة والسلام - ليس هو عين الواجب والجائز والمستحيل في حقه تعالى فالمواد المثلية في مطلق واجب وجائز ومستحيل. وإنما خص الرسل لأن بعض ما يأتي - كالتبليغ - خاص بهم، دون الأنبياء.‏
ـــــــــ
11- إذْ كُلُّ مَنْ قَلَّدَ بالتَّوِحيْدِ *** إيمَانُهُ لمْ يَخْلُ مِنْ تَرْدِيْدِ

إذ كل من قلد: هذا تعليل لوجوب المعرفة السابقة (باعتبار أن وجوبها يتضمن وجوب أمور ثلاثة هي: الجزم، وكونه مطابقاً للواقع، وكونه ناشئاً عن الدليل.
- والتقليد: هو أن يأخذ المكلف بقول غيره من غير أن يعرف دليله، والمراد بالأخذ اعتقاد مضمون المأخوذ، ويشمل القول والفعل التقرير وكل ذلك من غير أن يعرف دليله. فخرج التلامذة بعد أن يرشدهم الأشياخ للأدلة، فهم عارفون لا مقلدون.وضرب لهم الشيخ السنوسي مثلاً للفرق بينهم وبين المقلدين (بجماعة نظروا للهلال، فسبق أحدهم لرؤيته فأخبرهم به، فإن صدقوه من غير معاينة كانوا مقلدين وإن أرشدهم بالعلامة حتى عاينوه لم يكونوا مقلدين).
- بالتوحيد: أي في علم العقائد، ولو تعلقت بالرسل. فليس المراد بالتوحيد إثبات الوحدة بخصوصه.
- إيمانه لم يخل من ترديد: المراد بإيمانه جزمه بأحكام التوحيد من غير دليل، وليس المراد به المعرفة، إذ لا معرفة عند المقلد والأولى أن المراد بإيمان المقلد تصديقه التابع للجزم، لا نفس الجزم، والمراد من الترديد، التردد والتحير.
- واستشكل بأن العبارة تقتضي أن الجزم بجامع التردد مع أنه متى كان جازماً لا يكون متردداً أصلاً، فكيف يقول: إيمانه لم يخل من ترديد؟ وأجيب بأن المراد أن إيمانه لم يخل عن قبول الترديد، لا أن الترديد ممتزج بإيمانه، ولا يرد أن العارف لا يخلو أيضاً عن قبول الترديد لجواز أن تطمس عين معرفته (والعياذ بالله تعالى) لأن المراد بالقبول: القبول القريب من الفعل عادة، ولا يضر غيره.‏
ـــــ
‏12- فَفِيْهِ بَعْضُ القَوْم يَحْكي الخُلْفا *** وبَعْضُهُمْ حَقَق فِيْهِ الكَشْفَا

ففيه بعض القوم: أي فبسبب تحيره وتردده اختلف العلماء في إيمانه صحة وفساداً، وحاصل الخلاف فيه أقوال منها:
1- عدم صحة إيمان المقلد، فيكون المقلد كافراً، وعليه السنوسي.
2- الاكتفاء بالتقليد مع العصيان - إن كان فيه أهلية للنظر - وإلا فلا عصيان.
3- إن من قلد القرآن والسنة القطعية صح إيمانه لإتباعه القطعي، ومن قلد غير ذلك لم يصح إيمانه لعدم أمن الخطأ على غير المعصوم.
4- الاكتفاء به من غير عصيان مطلقاً، لأن النظر شرط كمال، فمن كان فيه أهلية النظر ولم ينظر، فقد ترك الأولى.
- والقول الحق الذي عليه المعول من هذه الأقوال هو الثاني. والصواب أن هذا الخلاف جار في النظر الموصل لمعرفة الله تعالى دون غيره كالنظر الموصل لمعرفة الرسل.
- وحكى الآمدي اتفاق الأصحاب على انتفاء كفر المقلد، وأنه لا يعرف القول بعدم صحة إيمانه إلا لأبي هاشم الجبائي من المعتزلة. وذكر ابن حجر عن بضعهم: أنه أنكر وجوب المعرفة أصلاً، وقال بأنها حاصلة بأصل الفطرة، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}
وبقوله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة".
ولذلك قال أبو منصور الماتريدي: أجمع أصحابنا على أن العوام مؤمنون عارفون بربهم وأنهم حشو الجنة كما جاءت به الأخبار، وانعقد به الإجماع فإن فطرتهم جبلت على توحيد الصانع وقدمه، وحدوث ما سواه وإن عجزوا عن التعبير عنه باصطلاح المتكلمين، والله أعلم.
- وبعضهم حقق فيه: وبعض القوم - كالتاج السبكي - حقق في إيمان المقلد البيان عن حاله بما يصير به الخلاف في الاكتفاء بالتقليد وعدم الاكتفاء به لفظياً، وحقق: أي ذكر الفصل في المسألة على الوجه الحق والكشف هو البيان.‏

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الواجب لله 20 صفة

وَأَثْبِتَنْ للأَوْلِيَا الكَرَامَة

تعلقات القدرة